أغسطس 13, 2022
نرجس اسماعيل – كاتبة وشاعرة – سوريا

كيف يمكن لي أن أترك قلبي الجهور في زوبعة هذه الزواية المظلمة من الكون… كيف يظنون أنني سأتخلّى عن الحياة، وأترك السلام بين مخالب الذئاب.. كيف يفرحون بحرق جمالي، ونهش أحلامي… كيف يمكنهم الحفاظ على وجودهم بدوني ويقولون إننا نعيش…
في كل لحظة أصبحت فيها ماء الحياة.. أصبحت خبز الحياة.. أصبحت صنجاً لن يمتلئ أبداً.. أنا التراب الذي ما زال يتباهى بحدائقه المعلقة للتاريخ.. أنا ذاك الجسد والروح التي يمكنها أن تُبقي البهاء على قيد الحياة؛ في أي مكان من العالم.. منبع للحرية والسكينة أنا.. يعلو كجبال الألب، وينشر النيرفانا في الصحاري القاحلة.. كيف يحرقون ضفائري… يحرقون جدائل الدجلة والفرات، وأنا أمها؟!… كيف لهم أن يجعلوا من نسمات ربيعي أصناماً لتركع عليها الأقدار السوداء…
لا أحد يستطيع أن يوقف الحياة، ويجعلها بلا شمس، ما زلتُ جبليّة.. أستنشق الحرية من أعالي القمم.. سرقوا الزيتون، وأغلقوا ينابيع سري كانيه (رأس العين)، وبياض ابتسامة كري سبي (تل أبيض).. لكن الحياة ما تزال داخل واحتي مثل زهرة على قمة جبل الثلج…
أنا هيبة الزاب، وبحيرات زاغروس… لا أحد يستطيع أن يمنع تدفّقي… قُتلتُ.. نعم.. أتذكر حين قتلوني.. قُتلتُ هناك بين أشجار الجوز في بلاد ما بين النهرين… في كل ركن من أركان العالم؛ عندما كانت البلابل تشمّ رائحة عفونة الحرب وقذارتها.. لن أعود للموت… أنا تلك النسمة الفراتية التي ما تزال تبحث عن دجلة كي تحيا سلاماً حرّاً…
آلاف المرات قُتلتُ… قتلت في شوارع فلسطين… بين غابات إفريقيا… في القاهرة… في تونس واليمن، وحتى هذه اللحظة يحرقون أجنحتي… واليوم اغتصبت في العراق… أنا تلك السمراء اليافعة التي… أنا تلك القلادة الصفراء على ضفاف النيل أغني للأسماك، وأناجي سواحل الشرق، وأكتب على أبواب الأندلس “إن الذين رحلوا لم يودّعونا، ولم يقولوا كلمتهم الأخيرة”… يا ماء البحر الأبيضِ ثُرْ بأمواجك البهيجة، وقُل للثقب الأسود إنك رغم العاصفة تظلّ أبيض.
وكبياض التاريخ من فوق جبين زنوبيا تضيئ لتقول للماضي والحاضر والمستقبل إنني سأبقى كما أنا… أنا تلك الياسمينة البيضاء، قتلوني بين مخالب حقدهم وكرههم لي.. قتلوني وأنا أكتب تاريخاً جديداً للأم الشرقية، وترابها الخصيب.. قتلوني غدراً وأنا ياسمينة السلام.. من صلصال المحبة والوفاء خلقت، ومن أصالة نبع السلام.. نعم.. قتلوا جسدي، إلا أن الروح بقيت تغني للشمال المقاوم، وتقسم للفرات إن أحفاد قلعة جعبر ونجم سيظلّون شامخين.. قتلوني بدون ذنب، ولكنهم لم يقتلوا عنفواني، وموجة البحار في آفاقي.. ليعلموا جيداً أني ما زلتُ أبجدية البقاء، أمضي وأنا أنثى السلام…