أغسطس 13, 2022
كوثر جعفر – روائية وقاصة – سوريا

جدتي سرّ السرد الجميل في الحكايات، سينماي الصغيرة الكبيرة، روت لي الحكايات بحبّ؛ لا خوفاً من سيّاف، وليس لحكايتها عداد رقمي كشهرزاد، ولا يدركها الصباح، وهي ترويها مع فارق بسيط، النوم يدركها ما إن تودع الشمس الأفق، جدتي يدركها الصباح؛ وهي تنفخ في تنور التعب، هي وحدها مَن كانت تشبك ضفائري بحبّ، وهي تروي لي حكاية.
هي من شدّت لي الحبال بخفّة؛ لتصنع لي أرجوحة، لأول مرة عرفت معها التحليق عندما دفعت أرجوحتي نحو السماء. استسلمت مراراً للنوم وأنا أمتطي صهوة أرجوحة شدتها لي بحرفية، كنت أثق بها لا بالحبال.
حدثتني مرة: لقد بتّ شابة، ولا تصلين، أتعلمين؟! كنت في السابعة من عمري عندما صليت أول مرة، ولم أترك صلاتي من يومها، سألتها، وماذا كنت تعرفين عن الله وقتها لتصلي؟! وبّختني بغضب: ويحك! كيف تجرئين أن تخوضي في هكذا أسئلة؟
جدتي! لم أخطئ، أنا فقط أسأل، أنا أصبحت شابة، وأجهل الكثير عن الله، فكيف لطفلة في السابعة؟!
ويحك ستدخلين النار!
هل هذا ما عرفته عن الله؟ الجنة والنار؟ الخوف من العقاب؟ الله يا جدتي محبة، تسامح، لن يغضب الله إن فهمت لِمَا تحبينه، وتدعين له، ولمَ تصلين دائما، كانت تنهي الحديث بشتائم، وتطلب مني الصمت، وأنا أغيّر الحديث كي أخفف من حدة غضبها.
جدتي! أخبريني كيف تعرفت إلى جدي؟
عن أي تعارف تتحدثين أيتها الملعونة؟! في زماننا لم يكن هناك تعارف، العريس كان يرى عروسه لأول مرة ليلة العرس، لكنها سرّت لي إنها في إحدى الأيام عندما كانت مخطوبة لجدي، وأثناء عودتها من الحقل، التقت جدي صدفة، اعترض طريقها، وأمسك يدها، قالت إنها رمت كل حملها على الأرض، وفرّت مسرعة، وأخبرتني إنها بقيت تبكي لأيام خشية أن تكون حاملا من لمسة يد، وتجلب العار لأسرتها، يا لسذاجة التفكير!
المرأة وقتها كانت تساق لرجل ضمن صفقة زواج برضى الطرفين، ورضى العروس، تحصيل حاصل، لذلك تلك الأمهات أنجبن أبناء الخوف، لذلك بقيت المرأة وعاء بما فيه ينضح أجيالا كاملة من الخوف.
سألتها مرة: جدتي متى ولدت؟ قالت لا أعرف، ولكن أمي قالت إني ولدت عندما بنى أبي البيت، ومتى تزوجت جدي؟ تزوجنا عندما أثلجت أربعين يوما. ومتى أنجبت أبي؟ تبتسم… تجيب: عندما أزهر اللوز، وهل تذكرين متى ولدت أنا؟ نعم، عندما أمطرت أول مرة بعد صيف حار.
غريب تقويم جدتي! لا يفهمه أحد غيرها، جداتنا هن الشاهدات الأصدق على عصور الجهل، على عصور من الشقاء، من الطيبة… من الحنان… كنّ نبع محبة في عصر الصفيح الصدئ.