مجلة سيوانمقالات

السينما الواقعية
بعد الحرب

رودي حمه

نظرة مقاربة لفيلم «سارق الدراجة»
للمخرج الإيطالي «فيتوريو دي سيكا»

لطالما تمكنت الفنون من التأثير في الإنسان بدرجات متفاوتة. الفنون التي كانت متعارفة عليها في القرون الماضية، خصوصا فن الرسم والموسيقا. بعد انتشار فن المسرح في العالم أصبح من الممكن تجميع الفنون المختلفة في لوحة واحدة؛ تحمل الدراما والإثارة والتراجيديا وحتى الجريمة والرعب، فأصبح إقبال الناس على المسرح أكبر من باقي الفنون.
مع ظهور كاميرات الفيديو في ثمانينات القرن التاسع عشر وانتشارها مطلع القرن العشرين، حتى أخذت السينما شكلها المحدد في عام 1910(1)، إذ بدأ المخرجون بصناعة أفلام تشبه المسرح إلى حد كبير من خلال اللقطات الواسعة وحركة الكاميرا الثابتة. هذا الإنتاج كان يحمل سمة مميزة وهو ثبات الأداء وإمكانية عرضه مرات عديدة بتكلفة أقل، وبالمقابل كانت رسوم مشاهدة الأفلام مقبولة نتيجة لذلك، فبدأ الناس في مشاهدة الأفلام في أمريكا مثلا في مسارح صغيرة تسمى “نيكلوديون” لأن رسم الدخول كان “نيكل” واحد حينها(2).
في الوقت الذي كان يتطور فيه إنتاج الأفلام وشركات إنتاج عديدة تبرز في ساحة الفن السابع كان العالم يشهد معها أزمات سياسية عالمية، وتطورات متلاحقة أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى، حينها تدخلت الدول في إنتاج الأفلام كوسيلة لبسط سياستها، وعرض قوتها وترويض معارضيها، مما ادعى إلى إنتاج الأفلام الدعائية. وبهذا الشكل، صارت السينما تتوافق على نحوٍ مثالي مع التاريخ السياسي والاجتماعي.
فالأفلام كانت تُنشَر، بوصفها آلات عرض الأشياء المرئية؛ إما لبناء تمثيلات مصمّمة مسبقا، مضللة لا محالة (أو “متحيّزة” بتعبيرنا)، وإما لاستخراج ردّة فعل المشاهدة، وبناء السياسة تبعا لها.
ولكن في المقابل ظهر الإنتاج الثوري للأفلام مع سقوط بعض الديكتاتوريات، واستلام الثوار السلطة كما في إيطاليا والاتحاد السوفييتي.
رغم محاربة رواد المسرح للسينما التصويرية، ووصفها بالركيكة، والتي لا تصل إلى مستوى الفن المرموق، ورغم مراهنتهم لصالح المسرح على حساب انحسار السينما على ساحة الفن، إلا أن ما حصل كان العكس، فزيادة إنتاج الأفلام سنويا في الفترة ما بعد ثلاثينيات القرن العشرين كان ملحوظا على حساب الإنتاج المسرحي. ومع زيادة رواد السينما اتجهت الدول والقوى السياسية إلى إنتاج أفلامها الخاصة، وضخ مبالغ هائلة لإنتاج أفلام أقرب إلى البروباغاندا منها إلى الأفلام المعتادة التي انتشرت حينها، كأفلام الممثل والمخرج البريطاني “تشارلي تشابلن”.
أنتجت ألمانيا النازية في الفترة ما بين 1936 و 1954 ما يزيد عن ألف فيلم دعائي يخدم الفكر النازي. لعل أشهر المخرجين الدعائيين للنازية هو “هيربيرت غيردس” الذي يصفه أرنيست كلي بأنه “مؤلف أفلام التحريض على التطهير العرقي”. ومن أفلامه “مريض وراثيا”، و”الحياة كلها كفاح”.
Herbert Gerdes 1884
Erbkrank,Alles Leben istKampf
ولو رجعنا بالزمن إلى السينما الأمريكية، وتوقفنا عند أحد أهم الأفلام في حقبة عشرينات القرن الماضي لشاهدنا فيلما آخر، وعلى سوية مختلفة بعض الشيء عن السينما الدعائية الصرفة التي كانت تنتجها النازية، وهو فيلم “مولد أمة” للمخرج الأمريكي “دي.دابليو. غريفث”. هذا الفيلم، ورغم الشهرة التي اكتسبته، لم يكن إلا فيلما تحريضيا عنصريا صرفا. يظهر للمشاهد “الأبيض البشرة”، وهنا أضع عبارة أبيض البشرة بين فاصلتين؛ لأن الفيلم كانت موجها له، ليزيد من الشرخ العنصري، من جديد، بينه وبين المواطن ذي البشرة السوداء بعد انتهاء الحرب الأهلية، وإعادة البناء من جديد.
فيلم “مولد أمة” لا يزال مادة تدريسة في أكاديميات السينما حول العالم فقط؛ لأهميته كمادة مصورة استُخدمت فيها طرق تصويرية جديدة آنذاك، خصوصا “الميزانسين” الذي كان “غريفث” من السبّاقين في الاهتمام به بطريقة مسرحية جميلة؛ كونه كان يعمل ممثلا مسرحيا قبل دخوله عالم السينما. أما محتوى الفيلم فيبقى عنصريا، لا قيمة إنسانية له.
هذا ما نراه جليا أيضا في أفلام البروباغاندا النازية التي كان يشرف عليها “جوزيف غوبلز” شخصيا، مهندس النازية الدعائي، وتماشيا مع سياسة النازية الهادفة إلى ترسيخ أفكار هتلر وحزبه. ربما شاهدتم، ولو عن طريق الصدفة، عبر صفحات الإنترنت صورا لــ”أدولف هتلر” مع “جوزيف غوبلز” الذي يعرض فيه الأخير أحد الأفلام السينمائية على هتلر. هذه الصورة تحكي الكثير فيما إذا نظر إليها المتلقي من منظور مختلف، فلم يكن لغوبلز أن ينتج فيلما واقعيا يسلط الضوء على مأساة الحرب العالمية الثانية (التي افتعلها هتلر)، ويعرضه على هتلر.
بعد سقوط النازية عام 1945، جمع الحلفاء من مكاتب الأرشيف النازي ما يقارب 1200 فيلما دعائيا، منها حوالي 40 من الأعمال السينمائية، التي يرجع ظهورها إلى الحقبة النازية، تم تصنيفها كـ “أفلام متحفظ عليها”، ولا يسمح بعرضها إلا تحت شروط معينة، ولأناس معينين بغرض البحث العلمي وما شابه. (3)
ومن هذه الأعمال الدعائية أفلام مشهورة مثل “يود زوس”، والأفلام الوثائقية المعادية للسامية مثل “اليهودي الأبدي”.
معظم رواد السينما اليوم لا يعرفون الكثير عن هذه الأفلام، أو ربما لم يسمعوا بها. كل ما يميز هذه الأفلام هو ببساطة تمجيد للحرب وللرايخ الثالث، ناهيك عن التحريض على كراهية البولنديين والبريطانيين، ومعاداة السامية أو غيرها من المضامين الدعائية.
بالذهاب إلى إيطاليا، إبان حكم الفاشية، دعم زعيمها “بينيتو أندريا موسوليني” السينما بشكل سخي؛ من خلال إنشاء مدرسة خاصة بصناعة الأفلام (شينترو سبيريمنتال)(4). هذه المدرسة كانت تضم أفخم الاستوديوهات المدعومة بكافة مستلزمات السينما المعاصرة آنذاك، والتي كان موسوليني يرعاها بنفسه في مجمع يطلق عليه “شينيشيتا”، والذي تخرج فيه العديد من المخرجين الإيطاليين الذين ظهرت الواقعية الجديدة في إيطاليا على أيديهم عقب الحرب العالمية الثانية.
كانت “شينيشيتا” تركز على إنتاج أفلام الدعابة والهزلية التي لا تمت إلى الواقع بصلة، محاولة منافسة هوليوود وقتها. وقد وصفها المخرج والناقد السينمائي “جوزيي دي سانتوس” بأنها “كاليغرافيزم”، وبالتالي فهي اقتباسات مصورة على نحو مزخرف من أدب آواخر القرن التاسع عشر كوسيلة هروب من الواقع الاجتماعي والاقتصادي المتردي في إيطاليا الحديثة.(5)

عقب الحرب العالمية الثانية، وظهور الواقعية الجديدة الإيطالية
طالت سطوة الحرب العالمية الثانية دولا كثيرة، لكن دول أوربا كانت الأشد تأثرا بها. بعيد انتهاء الحرب ظهر مخرجو الثورة في كل من روسيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها، آخذين على عاتقهم إنتاج وسيط سينمائي أكثر ملامسة للمجتمع المنهار، ويلعب دورا في النهوض بالفكر لدى الشعب.
في هذا البحث سأتطرق إلى أفلام الواقعية الجديدة الإيطالية؛ كونها لعبت تأثيرا كبيرا على المشاهد الإيطالي والأوربي، وأيضا لكونها لامست الواقع المرير بطريقة ذكية حانية وجميلة؛ جعلت المشاهد جزءا من الشخصيات بإقحام مخيلته إلى عمق الأحداث، وكأنه يعيشها هو الآخر. ظهر في إيطاليا في فترة ما بعد الحكم الفاشي مخرجون أسسوا للواقعية الجديدة في إيطاليا أمثال روبرتو روسيلليني “فيلم روما، المدينة المفتوحة 1945″، “وفيتوريو دي سيكا “فيلم سارق الدراجة 1948 وفيلم أمبيرتو دي 1952″، والمخرج لوكينو فيسكونتي وجوسيي دي سانتوس.
تسرد الواقعية الجديدة حياة الفقراء من الشعب، وتضع تفاصيل حياة العامة المهملة موضع النقاش. فهي لا تهتم بعرض حياة البذخ والترف بقدر ما تركز على حياة الفقر والمعاناة. هي قريبة إلى حياة عامل بسيط وإنسان عادي، وبعيدة كل البعد عن أفلام البذخ، والتي كان “دي سيكا” يصفها بأفلام “الهاتف الأبيض”، الذي كان يظهر فيها هاتف أبيض فاخر في غرف وصالون المنزل الفاخر لبطل القصة البرجوازي.
كان المواطن العادي الذي نجا جسديا من الحرب، كتلة من الاضطرابات السايكولوجية والإرادة شبه المحطمة. لم تعد الشعارات الرنانة تجدي، لذا فكانت مهمة الحكومات التالية صعبة للغاية، بل وباتت عاجزة لوهلة عن إيقاظ روح الانتماء إلى الأرض في نفوس المواطنين، وفي نفس الوقت كانت في أمسّ الحاجة إلى طاقاتهم لإعادة الإعمار.
في مقارنة بسيطة بين أفلام الواقعية الجديدة في إيطاليا وأفلامنا الحديثة، سينظر المرء دون أدنى شك بعين الريبة للزعم بأن أي فيلم يمكن أن يعكس الواقع كما هو، دون أن يتخلله بين مشهد وآخر بعض التصورات التي يبنيها المخرج بنفسه، فليس هناك ما هو مماثل للتسجيل المباشر الموضوعي للواقع على الفيلم وفقا لما يذكره المخرج التشيكي “ألكسندر هاميد”: “تسجل الكاميرا فقط بالطريقة التي يختار بها الرجل (أو المرأة) خلفها توجيهها بها. حتى ولو وضعنا الكاميرا أمام شريحة أو مقطع من الواقع الفعلي، عادة ما لا تتطفل عليه كثيرا، ولن نقوم حتى، على سبيل المثال، بنفخ ذرة غبار عنه، فإننا مع ذلك نقوم بترتيب وتنظيم: عن طريق اختيار الزاوية، التي قد تؤكد على شيء وتخفي آخر، أو تحريف أي منظور مألوف باختيار عدسة تركز انتباهنا على وجه بمفرده، أو شخص سيكشف عن المنظر بالكامل، أو أناس آخرين، أو باختيار الفلتر، والتعريش للضوء الذي سيحدد ما إذا كانت درجة اللون لامعة أو مظلمة، خشنة أو ناعمة. لهذا، في الأفلام، يصبح من الممكن طرح الواقع ذاته تماما، بحيث يخدم أيديولوجيا ديمقراطية أو اشتراكية أو شمولية، وجعله في كل حالة يبدو واقعيا”. اقتباس(6)
فيلم “سارق الدراجة” للمخرج “دي سيكا”.
يسمى الفيلم بالإيطالية بـ”لادري دي بيشيكليت”، والذي يعني بــ”سارقي الدراجات” لكن العنوان المتعارف عليه هو سارق الدراجة.
تم إنتاج الفيلم في عام 1948، وقال عنه “أندريه بازان” في كتابه “ما هي السينما” بأن الفيلم أعاد التأكيد مجددا على جماليات الواقعية الجديدة بالكامل.(7)
تدور أحداثه عن حالة الفقر والبؤس بين حياة العمال في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، حيث تتفاقم البطالة مرافقة بغلاء الأسعار، إذ إن المعونات التي تقدمها الحكومة بالكاد تسد الرمق، وتساعد على البقاء على قيد الحياة.
ما يميز فيلم سارق الدراجة عن غيره من أفلام الواقعية الجديدة أن المخرج “دي سيكا” استعان بممثلين هواة أو مسرحيين. كان الهدف من ذلك هو التشابه الكبير بينهم وبين البسطاء من الناس، حتى أن أغلبهم عايشوا الحالة الاجتماعية والاقتصادية المزرية لإيطاليا بالفعل. كل هذا يعطي الانطباع لدى المشاهد أن الفيلم واقعي إلى درجة كبيرة؛ يشك فيه البعض بأن الفيلم هو “سينيش”، أي قد تم تمثيل الأدوار.
يقول “أندريه بازان” إنه تم تقديم الملايين من الليرات لـ “دي سيكا” ليقوم “كاري كرانت” بأداء دور البطولة في السيناريو المصور لكنه رفض.(8)
تم تصوير الفيلم في شوارع روما المزدحمة، وفي المباني السكنية الخاصة بالعمال الفقراء، ولم يكن هناك ممثل واحد محترف في الفيلم. حتى أن بطل الفيلم كان عاملا في مصنع للصب.(9)

قصة الفيلم
تدور قصة الفيلم حول عامل من عامة الشعب يدعى “أنطونيو ريتشي” الفقير والعاطل عن العمل. تتاح له فرصة عمل في تعليق الملصقات الإعلانية والتجارية. لكن شرط الحصول على هذه الوظيفة هو امتلاك دراجة للتنقل بها في المدينة وإنجاز العمل. ريتشي يمتلك دراجة بالفعل، لكنه رهنها في وقت سابق مقابل بعض من المال، ولا يستطيع إعادتها قبل تسديد مبلغ الرهان. تقوم زوجة ريتشي برهن أغطية فراشها (الذي هو مهرها)؛ بحجة أنهم ليسوا بحاجة ماسة لها، ويقومان معاً بفكّ رهن الدراجة بالمبلغ ذاك. يبدأ ريتشي بالعمل بهمة عالية، لكن، وفي اليوم الأول من العمل، يتعرض إلى عملية سرقة من قبل شبكة متعاونة من السارقين، يخسر فيها دراجته. يحاول استردادها على الفور، بعد أن رأى سارقها، عبثا.
خوفا من فقدان الوظيفة، يبدأ ريتشي بصحبة ابنه “برونو”، وصديق له برحلة بحث في أزقة روما للعثور على دراجته. تطول رحلة البحث طوال الفيلم دون جدوى، على الرغم من أن ريتشي يعثر على الشاب الذي سرق دراجته، ويبلغ منزله، لكن بغياب الأدلة لا يستطيع استرداد حقه، وتعجز الشرطة عن مساعدته.
في المشهد النهائي من الفيلم تتغلب الأفكار الخرقاء لدى ريتشي على شخصيته المكافحة، وفي تصرف أحمق منه، يقوم بمحاولة سرقة دراجة مركونة أمام مدخل إحدى الأبنية السكنية، وأمام ناظر ابنه “برونو”. يضبط المالك ريتشي متلبسا، ويصرخ طالبا المساعدة. يلتم حشد وفير حول ريتشي، ويلقون القبض عليه. على الرغم من أن المالك يتراجع عن تقديم ريتشي للشرطة، ويتركه في حال سبيله، الأمر الذي يولد نوعا من الراحة لدى المشاهد، إلا أن ريتشي يبقى من دون دراجة وعاطلا عن العمل.

سارق الدراجة، تحليل ومناقشة
تكمن براعة “دي سيكا” في فيلم “سارق الدراجة” أنه أوضح، وبشكل جلي وواعٍ، تأثير الحالة الاقتصادية المتردية في المجتمع على هيكلية المجتمع، والرابط فيه. بالنسبة لــ”أندريه بازان”، فإن قوة الفيلم تنبثق بالطريقة الذكية التي بيّن فيها “دي سيكا” ضعف المؤسسات الاجتماعية؛ لدرجة بات فيها الفقير مجبرا على افتراس الفقير.(10)
فالولد الذي يسرق دراجة “ريتشي” يتضح أنه لا يعاني من مرض الصرع فحسب، بل أنه يعيش في حالة حرمان لا تقل عن حالة “ريتشي” نفسها. في المشهد الذي يدخل فيه “ريتشي” بصحبة الشرطي منزل الولد، تبدو الحالة الاقتصادية المتردية للسارق واضحة للغاية. بالنسبة لنا، كمشاهدين، نشعر أن الشرطي، رغم اقتناعه إلى حدّ كبير بالتهمة التي وجهها “ريتشي” للسارق وتصديقه لها، إلا أنه تجنب الاستمرار في التحقيق عمدا؛ بعد أن رأى تعاسة الولد السارق ووالدته، واكتفى بتحذير “ريتشي” بعدم فتح محضر بالحادثة لعدم وجود أدلة، الأمر الذي قد يتسبب له بالمشاكل.
من ناحية أخرى يظهر “ريتشي” منذ بداية الفيلم كونه شخص منعزل اجتماعيا. ففي المشهد الأول يظهر العمال محتشدين أمام موظف حكومي يعتلي درجا وهو ينادي بأسماء العمال الذين تم قبولهم كموظفين حكوميين، فيما يجلس “ريتشي” في الطرف المقابل من الشارع ليبدو كشخص انطوائي، مستسلم للواقع المرير، لدرجة أن أحد العمال يأتي ليصطحبه بعد أن نادى الموظف باسمه وقد حصل على وظيفة.
في النقاش الذي يدور بين “ريتشي” وموظف الحكومة، يشترط عليه الأخير بامتلاك دراجة هوائية للحصول على الوظيفة، فيما نجد “ريتشي” يجادله بأمر عدم امتلاكه لتلك الدراجة محاولا إقناعه بأن يحصل على الوظيفة دون هذا الشرط، أو الصبر عليه حتى يحصل على واحدة. في تلك اللحظة، وبعد إصرار الموظف على شرط قبول الوظيفة، ينادي الكثير من العمال منبهين الحشد بأنهم على استعداد بقبول الوظيفة، وبإمكانهم تأمين تلك الدراجة، حتى ينهي “ريتشي” هذه الجلبة بقبوله بالوظيفة.
يظهر “ريتشي” كثير اللوم والشكوى من حالته التعيسة رغم أنه عاطل منذ سنتين، غير قادر على التصرف باتزان وحكمة. يقول حينها لزوجته وهما في طريق العودة إلى البيت كمن لا حول له: “أنا رجل ملعون”.
رد الفعل السلبي هذا، إزاء الورطة التي وقع فيها، وضرورة حصوله على دراجة هوائية، قابله رد فعل إيجابيّ من زوجته التي تصرفت على نحو سريع، دون شكوى ولوم، حين تنزع الملاءات عن أسرّة العائلة حتى يمكنهما رهنها مقابل الدراجة.
تظهر سلبية “ريتشي” مجدداً بعد استعادة الدراجة من الرهان، عندما يكشف ابنه “برونو” ضررا في الدراجة، مصرّا بغضب على والده بوجوب إبلاغ محل الرهن عن الضرر ساعة استلامه للدراجة، مبينا عدم تفحص “ريتشي” إياها جيدا لحظة الاستلام. عموما يظهر “برونو” في مواقف عديدة طوال الفيلم كونه أكثر كفاءة وإصرارا من والده حتى أنه حفظ رقم تسلسل الدراجة عن ظهر قلب.
الموقف الذي أود التحدث عنه بتفصيل أوسع، والذي يصل بتأثيره العميق والمستفز إلى المشاهد، هو لحظة استلام “ريتشي” وزوجته للدراجة، وعودتهما إلى المنزل. في الطريق تود زوجة “ريتشي” أن تذهب إلى منزل عرّافة في إحدى الأحياء كي تدفع لها مالا بعد أن وعدتها العرافة بحصول زوجها على عمل. تدخل زوجة “ريتشي” العمارة فيما يبقى هو في انتظارها أمام المدخل بصحبة دراجته. تتأخر الزوجة فيذهب “ريتشي” لتفقد الأمر. يترك ريتشي الدراجة دون قفل أمام مدخل العمارة، وقد أوصى طفلا صغيرا بمراقبتها حتى عودته. هنا يرتفع الأدرينالين لدى المشاهد إلى حدّ كبير، فانطلاقا من اسم الفيلم “سارق الدراجة” يشعر المشاهد أن الدراجة ستسرق في ذلك المشهد حتما. يضمر المشاهد الغضب تجاه “ريتشي” لتصرفه هذا، ويتوتر إلى درجة كبيرة، آملاً ألّا تُسرق الدراجة. يمر المشهد ببطء شديد و”ريتشي” يتسلق الدرج قاصدا بيت العرافة، ثم يدخل المنزل ببطء متفقدا المكان الممتلئ بالزوار، يمشي في ممر المنزل إلى أن يصل إلى زوجته الواقفة بين مجموعة من الزوار. يعود بزوجته إلى مدخل العمارة ولا أحد يتحدث عن الدراجة. حتى الزوجة لا تسأله عنها. قبل بلوغهما مدخل العمارة، حيت ترك “ريتشي” دراجته، ينتاب المشاهد شعور بحتمية فقدانه للدراجة؛ محمّلا “ريتشي” الذنب دون أدنى شك. سرعان ما يزول هذا التوتر بعدا أن يصل “ريتشي” المكان ويمتطي الدراجة.
هنا بالتأكيد، من وجهة نظر المشاهد، لن تكون الحكومة هي المسؤولة عن سرقة الدراجة في حال إذا تم الأمر، بل “ريتشي” هو المسؤول المباشر. فكيف له أن يترك دراجته بكل بساطة على الرصيف دون مراقبة؟ كيف له أن يأتمن طفلا صغيرا يلعب في الزقاق على دراجته؟ لا بل كان بعيدا عن الدراجة لحظة عودة “ريتشي”، كدليل أن الحظّ هو من أبقى على الدراجة وليس شيء آخر على الإطلاق.
يظهر لنا “دي سيكا” للوهلة الأولى، أن سبب كون “ريتشي” عاطلا عن العمل هو نفسه، وليس غياب العدالة في الممارسات الاقتصادية في مجتمعه. لكنه يظهر لنا أيضا أن سلوك “ريتشي” هو رد فعل على الواقع المرير أيضا. ففي مشهد، أقل ما يتم وصف بالخذلان، يقصد “ريتشي” الشرطة ليكتب ضبطا حول دراجته المسروقة. يظهر ضابط الشرطة غير مبال لمصاب “ريتشي” على الإطلاق، وكأنه يقول له إن دراجتك لن تعود، فهي في الأخير مجرد دراجة لا أكثر، بمعنى آخر، إنه لم يشعر ولو في لحظة واحدة بمعاناة “ريتشي” إثر فقدانه للدراجة والتي ستتسبب بفقدانه لوظيفته أيضا، لا بل وأهان الضابط “ريتشي”، واستشاط غضبا بعد إصرار الأخير على معرفة فيما إذا كان بإمكانهم إيجاد الدراجة اليوم. يقول الضابط ردّا على سؤال “ريتشي”: لن نبحث عن الدراجة، فنحن لن نتعرف إليها، قم أنت بالبحث بنفسك”. هذا الضابط يمثل الحكومة غير المكترثة بحال العامل ومعاناته.

“ريتشي” من مكافح إلى سارق دراجة
تضيق السبل بـ”ريتشي” حتى يتيقنّ أنه فقد دراجته إلى الأبد. لكنه، كأب، وبحضور ابنه “برونو” يصعب عليه ترك المسألة تمرّ هكذا، ويظهر في مظهر الرجل الضعيف الذي يعجز عن تولي عمل يعيل به أسرته، خصوصا أن “بورنو” قد غدا المعيل الوحيد، وهو الذي لا يزال محتفظا بعمله في محطة للمحروقات. هذا الصراع المؤلم داخل “ريتشي”، نصبح نحن المشاهدون جزءا منه، بل إننا نشفع له عندما يقدم على عمل متهور ويسرق دراجة غيره، نحن نشعر به كأب ذليل أمام ابنه الصغير، الذي لا بدّ أنه يخشى فقد الإيمان في قدرة الأب في الحصول العدالة والإنصاف من العالم.
يتجول “ريتشي” و”برونو” خائبين في شوارع روما المكتظة. يمكننا ملاحظة الألم في كل لقطة يظهران فيها. أمام استاد كرة القدم حيث تقام إحدى المباريات، يجلس “برونو” على حافة الرصيف متعبا. جلسته البريئة هذه توحي إلى الكثير. فمن منا لم يرَ تلك القعدة لطفل ما على رصيف ما دون أن يفكر للحظة سبب إرهاق طفل في وسط مدينة مكتظة؟
أمام ملعب كرة القدم تظهر مئات من الدراجات الهوائية المصطفة للجماهير، فيما يتجول شرطي بالقرب منها. يُظهر لنا “دي سيكا” من خلال لقطة “وجهة نظر” أن “ريتشي” هو من ينظر إلى كومة الدراجات تلك، كمن يقول في سره، “آه.. آه.. ماذا كان سيحصل لو كان بإمكاني امتلاك واحدة منها..”.
تلك الأفكار التي يشعر بها المشاهد أيضا، دون نطق كلمة واحدة من قبل “ريتشي”، تتلاشى في اللقطات التالية، ثم تظهر مجددا ثم تعود لتتلاشى. يجبرنا “دي سيكا” على عيش الصراع الداخلي لدى”ريتشي”.
قبل أن نتيقن أنها مجرد هواجس عابرة قد تنتاب أيّا منا في موقف ما، حتى تأسر دراجة مركونة أمام إأحدى الأبنية انتباه “ريتشي”. كمشاهد، نفكر تماما ما يفكر به “ريتشي” بغض النظر إذا كنّا نتفق معه أم لا. لكن بالنسبة لــ “ريتشي” فإن صاحب تلك الدراجة رجل مهمل مثله في وقت ما، عندما ركن دراجته أمام عمارة منزل العرافة أولا، وثانيا عندما ركنها بعيدا عنه، وهو يلصق البوستر على أحد الجدران في شارع مزدحم فقد بذلك دراجته حينها.
أإن سرقة تلك الدراجة المتروكة بمفردها سوف تحل جميع مشاكل “ريتشي”، هذا ما نفهمه عندما يُشعرنا “دي سيكا” أن “ريتشي” قرر سرقتها. في لحظة الإقرار بالقيام بفعل خاطئ، يبلغ الصراع أشده داخل المرء، لذا نراه يدير ظهره للكاميرا، في إشارة منه أنه من المستحيل الإقدام على فعل غبي كهذا. تتوالى اللقطات المقربة والواسعة، ولقطات وجهات النظر، وظهور الدراجة المتروكة في عمق الصورة في تسلسل مدروس إلى أن يمر موكب من سائقي الدراجات في الشارع، وسرعان ما يصمم “ريتشي” على السرقة ويتقبل فكرة كونه “لصّاً”.
على الرغم من فشل “ريتشي” في سرقة الدراجة، لكنه بطريقة وأخرى تحول إلى لص، وانتصرت النزعة السيئة بداخله، لكن الأسوأ كان أنه أصبح لصا أمام ناظر ابنه “برونو” الذي لم يستطع اللحاق بالحافلة التي أرسله والده إليها قبل القيام بالسرقة.
في الفترة الزمنية التي أرسل فيها “ريتشي” ابنه “برونو” إلى الحافلة، ويذهب للقيام بالسرقة، يعود “برونو” ليولد بعدا سيكولوجيا وأخلاقيا لدى المشاهد. هل سيشاهد “برونو” أباه وهو يسرق؟ السؤال الأمرّ الذي لا نود أن نعرف إجابته. بل نود حينها أن نغمض أعيننا حتى لا نرى ما الذي سيحدث. كما نودّ في الوقت نفسه أن ينجح “ريتشي” في سرقتها. كأب مشاهد لا نتمنى لأنفسنا هذا الذل أمام أبنائنا.
في اللقطات اللاحقة لسرقة “ريتشي” الدراجة، يرى “برونو” والده وهو يمتطي دراجة غريبة ويلاحقه جمع من الرجال. تجحظ عيناه مذهولا من هول ما يراه، فهو لم يكن ليتوقع إقدام والده لفعل عمل كهذا. يشاهد أباه وهو يتعرض للسخرية والسباب وصفع على الوجه. يركض إليه باكيا، وينادي بكلمة “بابا” فقط، ماسكا بسترته. في لقطة مؤثرة للغاية يحمل “برونو” قبعة والده المرمية على الأرض، وينظفها كما لو أنه يود الحفاظ على ما تبقى من كرامة والده.
ينتهي الفيلم، وتبقى الحسرة لدى المشاهد فيما إذا قد حُلت مشكلة “ريتشي” أم لا! هذا ما تقصّده “ديسيكا”، أن هذه الحياة مستمرة على هذا النحو حتى لحظة إنتاج الفيلم. النهايات المفتوحة هي سمة لدى “دي سيكا” لتبقى المشكلة قيد النقاش حتى بعد انتهاء الفيلم.

حان وقت السينما الواقعية في سوريا
في بيئة خصبة عطشى لأفلام واقعية مثل سوريا، توثّق أحقابا زمنية مختلفة، يحتاج المشاهد إلى وسيط سينمائي يرتقي إلى رتبة “الابتكار”. فهذه الكلمة لم تكن سابقا تنطبق على من يحصلون على براءات اختراع فحسب، بل أيضا على الحرفيين الذين صنعوا الأفلام، أفلاما أقل ما يقال عنها إنها “اختراع”.
يرى النقاد أن مفهوم السينما بدأ بالتغير والتجرد من سمتها الأساسية شيئا فشيئا، فيما يرى “سيجفريد زيلينسكي” أن السينما تمر بتحول غير قابل للعلاج، وأصدر كتابا عنونه بجملة جريئة، بدأ يتفق معها رواد السينما، ونقّادها إلى حد كبير، مستثنين الفيلم الروائي الطويل من مقصلة كتابه الذي أصدره عام 1995((رؤى سمعية: السينما والتلفزيون بوصفهما محطتين في التاريخ)).
بالطبع قد نتفق مع “زيلينسكي” حين نرى صناع السينما قد غدوا تجار صور، وأن البروباغاندا طغت على إنتاج الأفلام لتسويق أفكار مؤدلجة، أصبح المشاهد أكثر ذكاء من أن يُكسبها إياه صانع الفيلم بتلك السهولة، ناهيك عن أفلام التسلية والفكاهة.
ما يحتاجه المشاهد في سوريا، هو الصعود بالسينما الواقعية إلى جانب مدارس السينما الأخرى، حتى تساهم السينما في بناء الإنسان والمجتمع، وتقوم بدورها كما قامت به مدارس السينما الواقعية الجديدة في إيطاليا.
عموما قليلة هي الأفلام الواقعية، العربية والكردية في سوريا. رغم أن السينما بأمس الحاجة لرصيد واقعي على غرار السينما الواقعية الجديدة في إيطاليا. ففي ايطاليا خرج مخرجو الواقعية الجديدة في وقت ما بعد الحرب إلى المدن والأزقة حاملين كاميراتهم، وأصبحوا يصورون الواقع كما هو، فحصلوا على مَشاهد قيمة ارتقت بقوة إلى درجة الفيلم السينمائي. شعروا بالإنسان العادي وحياته القاسية، واستنبطوا العديد من الأفكار. ففي فيلم “روما، المدينة المفتوحة 1945” لروبرتو روسيلليني، نشاهد لقطات حقيقة تم تصويرها سابقا. كما أنه استعان بجثث حقيقية في فيلم پايزا. Paisà
يقول “روسيلليني” عن الواقعية الجديدة: “إنها إظهار للحقيقة بصورة فنية”.(11)
إذا ما جمعنا مادة فيلم واقعي في سوريا، فلن يكلفنا ذلك الكثير من الجهد والوقت. فحياة الإنسان في سوريا في حد ذاتها مادة خام دسمة، قابلة لأن تصبح فلماً، وبواقعية مؤثرة ومقنعة، بمجرد وضعها أمام الكاميرا!
فما الذي يمنع صنّاع السينما لدينا من الضغط على زر التسجيل؟

المصادر والمواقع
(1) “What Cinema Is!: Bazin›s Quest and its Charge” By Dudley Andrew ,23.
(2) “Closely watched films” by Marilyn Fabe, Copyright 2004 by the Regents of the University of California, 23.
(3) Was tun mit NS-Propagandafilmen? By Jochen Kürten, DW. 10.03.2014.
Link:
https://www.dw.com/de/was-tun-mit-ns-propagandafilmen/a-15803651
(4) “Closely watched films” by Marilyn Fabe, Copyright 2004 by the Regents of the University of California, 172.
(5) “Closely watched films” by Marilyn Fabe, Copyright 2004 by the Regents of the University of California, 172.
(6) The Legend of Maya Deren: A Documentary Biography and Collected Works, Volume I, Part 2,New York, Film Collection Archive 1988, 585
(7) “What is Cinema» Andre Bazin Volume 2 “Bicycle Thieves”, by the Regents of the University of California 1971, 49.
(8) “What is Cinema» Andre Bazin Volume 2 “Bicycle Thieves”, by the Regents of the University of California 1971, 56.
(9) “Closely watched films” by Marilyn Fabe, Copyright 2004 by the Regents of the University of California, 179.
(10) “What is Cinema» Andre Bazin Volume 2 “Bicycle Thieves”, by the Regents of the University of California 1971, 51.
(11) الواقعية الايطالية الجديدة (1-2) مقال على موقع الجزيرة الوثائقية للكاتب عدنان حسين أحمد، بتاريخ 12 مايو 2015
الرابط: https://doc.aljazeera.net/followup/

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى